السيد محمد حسين فضل الله
36
من وحي القرآن
معه مشكلتها ليساعدها في الحل ، فأطلقت صرخة الإنسان الضعيف المسحوق الذي شعر في لحظة كما لو أن الحياة كانت عبئا ثقيلا عليه ، لأنها تحشره في زاوية ضيقة من التجربة الصعبة التي لا يستطيع الخروج منها ، أو السيطرة عليها . وكانت تواجه نتيجة هذا الموقف وضعا اجتماعيا بالغ الصعوبة يهدد سمعتها وكرامتها وموقعها ؛ وهكذا قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا حتى لا أواجه نظرات الاتهام القاسية . وكانت المفاجأة الأولى التي شكلت انطلاقة هذا الوليد العجائبية ، إن مريم سمعت كلاما لا بكاء ، وتلفتت يمينا وشمالا فلم تر أحدا هنا أو هناك ، وإذا بالصوت يأتي من الأسفل ، حيث فراش الوليد ، إنه يتكلم ليفتح لها باب الرضا والطمأنينة ، وليسبغ عليها سكينة الروح ، وهدوء المشاعر . عيسى عليه السّلام يكلم مريم عليها السّلام فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي من تهاويل المستقبل ومن نظرات الناس وكلامهم ، فإن اللّه الذي أعدك لمثل هذه الكرامة القدسية ، لن يتركك وحدك لتواجهي صعوبات الموقف ، إذ هو يدافع عن عباده المخلصين المتقين في ما يملكون أمره ، فكيف لا يرعاهم في ما لا يملكون شيئا منه ، وها أنت ترين أن اللّه قد أعد لك كل أسباب الحماية والرعاية ، فتطلعي إلى ما أنت فيه ، ف قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا والظاهر أن المراد به جدول الماء الذي يترقرق إلى جانبها فتستطيع أن تشرب منه دون أن تحتاج إلى بذل جهد لا تستطيعه في وضعها الخاص . وتلك كرامة بارزة لها ، إذ لم يسبق لها أن شاهدته من قبل ، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا في غير وقته ، أو أنها كانت يابسة فاخضرّت وأورقت وأثمرت رطبا جنيّا لساعتها ، وهذه كرامة ثانية ، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً بهذا اللطف الإلهي العظيم ، واستقبلي الحياة بروح مطمئنة